محمد أبو زهرة
1685
زهرة التفاسير
وإن ذلك نظر حسن يفسره ما نراه للكافرين من نعم مادية في الدنيا تجرى عليهم ، فلعلها ثمرة لما عملوا من بعض الخيرات في التعاون الإنسانى ، وثمرة لاتخاذهم أسباب الرزق على وجه كامل . ويميل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن الكافر إن عمل خيرا يقصد به وجه الله أو سبيل الخير المجردة ، لا يضيعه الله تعالى عليه يوم القيامة ، ولكن ينقص به من سيئاته ، غير الكفر والإشراك فإن هذين لا يكفرهما شئ . ويؤيد نظره هذا بأن الآثار قد وردت بأنه يخفف عن أبي طالب لكفالته النبي صلى الله عليه وسلم ، وحمايته له « 1 » ، وقد كان في ذلك حماية للدولة الإسلامية . وقد روى أيضا أنه يخفف عن أبي لهب لعتقه ثويبة حين بشرت بمولد النبي صلى الله عليه وسلم « 2 » ، وأبو لهب هذا هو الذي قال الله تعالى فيه وفي امرأته : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) إلى قوله وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 ) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( 5 ) [ المسد ] . فحسنات الكفار تكفر السيئات التي دون الشرك والكفر ، على هذا النظر ، فالكفر لا يغفر ، ويذهب من السيئات الأخرى بمقدار الحسنات ، ونحن لا نرى في ذلك خروجا عن حكم الإسلام ، وهو معقول في ذاته يتفق مع عموم النصوص ، وإن كنا نميل إلى الأول .
--> ( 1 ) قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أغنيت عن عمك ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : « هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار » [ رواه البخاري : المناقب - قصة أبى طالب ( 3883 ) ، ومسلم : الإيمان - شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبى طالب ( 209 ) . والضحضاح من النار : موضع لا عمق له يبلغ كعبيه تغلى منه دماغه ، كما فسرته الروايات الأخرى في صحيح البخاري . ( 2 ) قال عروة : وثويبة مولاة لأبى لهب كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حِيبَة ، قال له : ما ذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أنى سقيت في هذه بعتاقتى ثويبة . رواه البخاري : النكاح وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ( 5151 ) . وشر حيبة : على أسوأ حالة من الهم والحزن .